بحث في هذه المدونة

السبت، 14 أبريل 2018

الرجل اتركن على الرف ..!!

شاهدت الرجل مهابا ، يلتف حوله كل أهالي القرية ، ويتزاحم الجموع للفوز بمصافحته ، كان بيته لا يخلو من الزائرين خلال  الساعات القليلة التي كان يتواجد فيها كل اسبوعين أو ثلاثة بالقرية،  فقد كان الرجل يقيم بالقاهرة في أحد أحيائها الراقية حيث يشغل مركزآ مرموقآ في وزارة مهمة.
 

شاهدته بعد سنوات يجلس وحيدآ أمام منزله ، فإستفسرت من مرافقي فقال :" أصل الرجل إتركن على الرف "وعندما لاحظ عدم فهمي أضاف " يعني خرج على المعاش أصبح ملوش لزمة ". هذا الموقف المتكرر في كل زمان ومكان داخل مصر يفضح ثقافة المجتمع في الإستهانة باصحاب المعاشات ، حيث يتم تداول بعض العبارات المهينة لهم مثل " الرجل لبس الجلابية البيضه " او " الرجل لبس البيجاما المخططة ". مما يعني أن كل من يخرج على المعاش يصبح خارج الزمن وليس له دور فى المجتمع وينفض الجميع من حوله حتى أهله وأقاربه ، وهو بمثابة إغتيال معنوي ومادي لهم مما دفع بعض أصحاب المعاشات لوصف أنفسهم بـ "خيل الحكومه " والتي يتم إعدامها رميا بالرصاص عند تقاعدها توفيرآ لتكاليف الأكل والشرب والمبيت .
 

أما الذي يضاعف أزمة أصحاب المعاشات هو الإحتياج المادي ، ولا أبالغ إذا قلت أن غالبية أصحاب المعاشات يتسولو حتى يبقوا على قيد الحياة. فهل يعقل أن يفقد الموظف حوالي 75% من دخله فجأة بمجرد خروجه للمعاش رغم أن أعبائه ترتفع في هذا السن فالكثيرين لديهم أبناء وبنات يريدون الزواج ، وحتى المتزوجين منهم ينتظرون مساعدة الوالد شهريا ، وأيضا تزداد تكاليف الدواء لتعدد الأمراض. وقد رأيت بنفسي مدير عام سابق يتسول الدواء من الصيدلية المجاورة لمنزلي ، وقال لي والدموع حائرة في عينيه : " عشان أنا كنت موظف نظيف بوزارة التموين مش لاقي ثمن الدواء ولو كنت مرتشي زي الآخرين كان لدى الآن عمارات وأملاك ".
 

وأبلغ تعليق على قرار وزارة التضامن بالإستشكال في تنفيذ حكم القضاء  الشهير بأحقية أصحاب المعاشات في 80 % من الخمس علاوات الأخيرة سمعته من أحد الأصدقاء يقول :" لماذا تعادي الحكومة أصحاب المعاشات .. ليه يكلونا لحم ويرمونا عضم .. المسئولين  في هيئة التأمينات مش عارفين انهم بعد فترة حيتركنوا على الرف زينا  ".
والحقيقة ان الحكومة ممثلة في هيئة التأمينات أثبتت أنها خصم غير شريف وتصرفت ضد القانون لأنها طعنت أمام محكمة الأمور المستعجلة غير مختصة بوقف الحكم ، وأيضا لأنها طعنت وهي تعلم تماما أنه حكم واجب النفاذ والتنفيذ في قضية عادلة بهدف المماطلة وتدويخ خصم شريف وهم أصحاب المعاشات رغم أن مهمتها الأصلية التي تأسست من أجلها أن ترعاهم وتستثمر أموالهم التي دفعوها على مدار سنين طويلة من أجل تحسين دخولهم ورفع مستوى معيشتهم . وللأسف نحجت الهيئة في المماطلة وساعدها بطئ الاجراءات القضائية ،وسيضطر أصحاب المعاشات للإنتظار أكثر من شهر ونصف حتى 27 مايو المقبل موعد الحكم في الإستشكال .
 

رحم الله 3 من أصدقائي إستجاب الله لدعائهم بالوفاة قبل بلوغهم سن التقاعد ، وكان الدافع وراء الدعاء ما شاهدوه من معاناة مريرة لـ " المركونين على الرف.

مدبولي عثمان - الجمهورية


 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق