أسبوعان مرا على إقرار مجلس النواب لقانون التأمين
الصحي الاجتماعي الشامل، بعد 13 عامًا من تداول القانون.. تلك الفترة لم
تتسم بالهدوء، حيث شهدت حراكا حقوقيا ونقابيا ضد القانون بمواده الـ67،
فأعلنت لجنة الدفاع عن الحق فى الصحة رفضها القاطع للقانون، مرجعة ذلك إلى
أن البرلمان لم يأخذ بعين الاعتبار ملاحظات كافة النقابات المهنية على
القانون، وتحفظات قسم التشريع بمجلس الدولة على بعض البنود التي
يشوبها «العوار الدستوري»، كما خاطبت نقابة الأطباء رئيس الجمهورية بعدم
التصديق على القانون، فيما تقدم نواب بطلب إحاطة لرئيس البرلمان لإعادة
المداولة في بعض البنود؛ لمناقشتها مُجددًا وتدقيق صياغتها، بما لا يضر
بصحة المصريين.
في هذا الإطار دعت اللجنة، الأحزاب
السياسية إلى المشاركة في حملة مجتمعية ضد القانون، وطالبوا خلال مؤتمرهم
الصحفي الثاني الذي عُقِد بمقرّ الحزب الاشتراكي المصري بتوحيد الهيكل
الصحي الحكومي فى منظومة تأمين واحدة «غير هادفة للربح».
القانون تأخر بسبب رفض الشعب
الدكتور
محمد حسن خليل، منسق لجنة الدفاع عن الحق في الصحة، أكد أن من حق الشعب
الحصول على تأمين صحي اجتماعي عادل، منوهًا بأن القانون لم يتم تمريره منذ
عام 2005؛ بسبب المعارضة الشعبية الضخمة التى لقيها.
وشرح
في تصريحات لـ«التحرير» أن أعباء التأمين الصحى المالية توزع على ثلاثة
أطراف، «المواطن، وأصحاب الأعمال، والحكومة»، مؤكدًا أن معارضة المواطنين
والناشطين في المجتمع المدني، ساهمت في تخفيض الأعباء الثقيلة التي تلقيها
الحكومة على كاهل المواطن.
رسوم تعجيزية
ومن
بين الأعباء التي ألقيت على كاهل المواطن فى القانون، حسب خليل، زيادة
نسبة الاشتراكات بعد أن كان اشتراك العامل لا يزيد على 1% من راتبه الشهري،
واشتراك صاحب العمل 3%، بالإضافة إلى 3% اشتراك إصابات العمل، تدفع ضمن
التأمينات الاجتماعية لكل طرف، بينما اقتصر اشتراك صاحب العمل على 4% فقط
(3% اشتراك و1% فقط إصابات عمل)، حيث تضاعف اشتراك العامل حتى فاق اشتراك
رب العمل (صار يدفع 1% اشتراكا لنفسه، و3% لزوجته إذا كانت لا تعمل، و1%
لكل طفل ممن يعولهم).
إذن فالعامل الذى يعول أربع
أطفال، يدفع 8% من راتبه تحت بند «اشتراك تأمين صحى»، وهو ما استنكره
«خليل»، مشددًا على أن مصر ستصبح بذلك الدولة الأولى والوحيدة عالميا التى
يبلغ اشتراك العامل في التأمين الصحي ضعف اشتراك رب العمل، رغم أنه الطرف
الأضعف اقتصاديًا في المعادلة.
ولا يقتصر ما يدفعه
العامل على الاشتراك، حسبما ورد في القانون الجديد، ولكن يزيد عليه أيضًا
من نسب المساهمات؛ أي نسبة من سعر كل خدمة يحصل عليها، وتتوزع على 10% من
سعر الأدوية، ومثلها من سعر التحاليل والأشعات، بحد أقصى 750 جنيها لكل
منها فى كل شهر وفى كل عيادة وعند كل زيارة، وإذا احتاج المواطن إلى الكشف
فى عيادتين فى نفس الشهر (عيون وقلب مثلا) فإنه مُطالب بسداد حد أقصى 2250
جنيها فى كل عيادة، أي نحو 4500 جنيه، وفى العمليات داخل الأقسام الداخلية
والحجز بالمستشفى، يدفع 5% من قيمة الفاتورة، بحد أقصى 350 جنيها فى
الزيارة الواحدة.
أصحاب المعاشات في خطر
«كل
ذلك ينسف فكرة التأمين الصحي».. يقول «خليل»، موضحًا أنه حتى
أصحاب المعاشات وأغلبهم يقل معاشه عن 1000 جنيه شهريا، مطالبين بدفع تلك
المساهمات الباهظة، ولا يعفى منهم سوى مرضى السرطان والأمراض المزمنة فقط.
ومن
جهته قال شعبان خليفة، رئيس النقابة العامة للعاملين بالقطاع الخاص إن نحو
24 مليون عامل مصري بالقطاع الخاص (عمالة غير منتظمة، موسمية والعاملون
بالنظافة والباعة الجائلون وغيرهم) يدخلون تحت بند «غير القادرين» الدولة
لن تتحمل منهم سوى 1.7 مليون أسرة فقط، ونحو 30 مليون آخرين سيعانون عند
المرض.
خليفة أوضح لـ«التحرير» أن رجال الأعمال لا
يتحملون أي أعباء بالقانون الجديد سوى 4% اشتراكات، و50 جنيها قيمة الكشف
على كل موظف جديد ومتابعة الكشف على الأمراض المهنية.
الحكومة تتخلى عن الأطفال
في
الوقت ذاته أوضح خليل أن الحكومة، وفق القانون، لم تعد مسئولة عن الأطفال
وطلاب المدارس، فيما يتحمل أولياء الأمور المسئولية، وهو عكس ما يحدث في كل
حكومات العالم التي تطبق نظم التأمين الصحى الاجتماعى، حسب تعبيره.
ضد القانون
تقول
الدكتورة كريمة الحفناوي، عضو اتحاد المهن الطبية إنه رغم وجود قوانين
وتشريعات تلزم الدولة بالتأمين الصحى على المواليد والأطفال قبل سن الدراسة
والطلاب، مع بعض المساهمات القليلة من قِبل ولى الأمر، فإن الأمر يتعارض
كليًا مع إقرار قانون التأمين الصحى الجديد، الذى سيبدأ تنفيذه بعد 6 أشهر،
ما يضيف عبئًا جديدًاعلى ولي الأمر بإلزامه بدفع اشتراك بنسبة 1% من دخله
شهريا لكل طفل (الأول والثانى) و1,5% لكل طفل (الثالث والرابع) أى 5%من
دخله شهريًا، غير 3% لزوجته، إضافة لاشتراكه 1%، أى 9%، غير المساهمات
الأخرى العالية.
وأكدت الحفناوي لـ«التحرير» أن
المادة 80 من الدستور تكفل لكل طفل الحق فى التطعيم الإجباري المجاني
والرعاية الصحية والأسرية أو البديلة والتغذية الأساسية، مطالبة الدولة
بالالتزام بالدستور، وأن تتكفل بالتأمين الصحي المجاني للطلاب تحت سن 18،
دون تحميل ولي الأمر أعباء إضافية، مع إلغاء نسبة الاشتراكات عليهم.
وفي
السياق نفسه، انتقد الدكتور محمد حسن خليل، منسق لجنة الدفاع عن الحق في
الصحة، فكرة فرض رسوم على الأطفال للدخول تحت مظلة التأمين الصحي، قائلًا:
«مافيش دولة واحدة من بين 69 دولة تُطبق نظام تأميني صحي اجتماعي تفرض
رسومًا على الأطفال، لأن التأمين عليهم لا يتعلق فقط بحقوق الإنسان أو حقوق
الأطفال ولكنها مسألة تتعلق بالتنمية البشرية والإنفاق عليهم حتى يخرجون
إلى سوق العمل حتى سن الثامنة عشرة».
طلبة المدارس
صدر بشأنهم القانون رقم 99 لسنة 1992 الخاص بالتأمين الصحي على الطلاب ومن
خلاله يمول نظام التأمين الصحي على الطلاب عبر اشتراكات سنوية يتحملها
الطالب عن كل مرحلة من المراحل الدراسية ويتم تسديدها كل عام بواقع 4
جنيهات عن كل طفل من رياض الأطفال وكل طالب من طلاب التعليم الأساسى
والثانوى والمدارس الفنية والتجريبية والخاصة المعانة والمعاهد الأزهرية.
أما
بالنسبة للمدارس الخاصة فيتم دفع 10% من قيمة المصروفات السنوية التعليمية
عن كل طفل من رياض الأطفال وكل طالب من طلاب المدارس الخاصة بحد أقصى
خمسين جنيها والاشتراكات التى تتحملها الدولة من الخزانة العامة 12 جنيها
عن كل طالب فى رياض الأطفال والمدارس المملوكة للدولة والخاصة المعانة.
كما
أن مساهمة الطالب فى ثمن الدواء خارج المستشفى تكون بنسبة الثلث عدا حالات
الأمراض المزمنة التى تحدد بقرار من وزير الصحة فيعطى الدواء مجانا للطلاب
وكذلك الأجهزة التعويضية وحصيلة الزيارات المنزلية بما لايقل عن ثلاثة
جنيهات ولا يجاوز خمسة جنيهات.
رجال الأعمال يسعرون الخدمة
في
المقابل أرجعت الحكومة ضعف مستوى خدمة التأمين الصحي في مصر إلى نقص
الميزانية المخصصة للإنفاق الصحي هذا العام، حيث يبلغ متوسط ما ينفق على
المواطن المؤمن عليه حاليًا 111 جنيها سنويًا، تتزايد في القانون الجديد
إلى 1400 جنيه سنويًا من أجل تقديم خدمة جيدة للمواطنين بزيادة تتجاوز 13
ضعفا، أما السبب الحقيقى كما يرى خليل فيهدف إلى تحويل كافة المستشفيات
الحكومية المملوكة للمصريين فى النظام التأميني الجديد إلى مستشفيات
هادفة للربح تتاجر في مرضهم وتتربح في كل إجراء مثل المستشفيات الخاصة.
وانتقد
خليل لجنة تسعير الخدمة الصحية الواردة بالقانون والتي تحدد سعرًا موحدًا
لشراء الخدمة من القطاعين الحكومي والخاص، وستضم مقدمي الخدمة فى القطاع
الخاص (أصحاب المستشفيات الخاصة)، وخبراء التسعير بالسوق، وعقّب: «الغريب
هنا أن أحدا لم يقف أمام هذا التعارض فى المصالح لأصحاب القطاع الخاص،
الذين يبيعون الخدمة بينما يشتركون أيضا فى تحديد سعرها فيحددونها بأعلى
سعر ممكن».
مصير 136 ألف طبيب مهدد
الدكتورة
منى مينا، وكيل نقابة الأطباء أعلنت تقدم النقابة العامة للأطباء بخطاب
إلى رئاسة الجمهورية بخصوص المخالفات الواردة بالقانون الجديد، حسب وصفها.
وأضافت
مينا لـ«التحرير» أن الحقوق المالية والوظيفية التي حصل عليها الأطباء بعد
سنوات طويلة من الشد والجذب مع الدولة مُعرضة لأن تصبح في خبر كان، حيث
ينص القانون الجديد على الحفاظ على درجته الوظيفية فقط دون النظر إلى
مزاياه المالية (البدلات والحوافز) بصورة تهدد أوضاع العاملين في قطاعات
الصحة، الذين يزيد عددهم على 136 ألف طبيب من نحو 800 ألف من العاملين
بقطاع الصحة.
وفي القانون الجديد تَعد الحكومة
بجودة الخدمة الصحية عن طريق تشكيل هيئة للرقابة والاعتماد، تتقاضى أجرًا
من المستشفيات الحكومية لكى تعطيها شهادات الجودة، بدلًا من رفع مستوى
الجودة للمستشفيات العامة التي هي مهمتها الرئيسية، وليس حرمان المستشفيات
بعد ثلاث سنوات من الجودة؛ لكى لا يكون هناك حل لها سوى خصخصتها، دون أن
تعالج المشاكل الجوهرية للخدمة الصحية فى مصر التي تعاني من عجز أَسِرَّة
المستشفيات بنسبة وصلت أكثر من 50% وعجز في الأطباء بلغ 30% وعجز التمريض
تجاوز 55%.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق