بحث في هذه المدونة

الثلاثاء، 12 ديسمبر 2017

حقوق «المتقاعدين» فى مصر: 3 مواد دستورية تلخص أوضاعهم باختصار

«مشروع القانون النموذجى لحقوق المسنين» عنوان لامع ومُغرٍ فى الوقت ذاته، يتحدث عبر عشرين مادة عن حقوق أصيلة وشاملة للمسنين، مادية ونفسية ومعنوية، مع آليات واضحة وحاسمة لضمان التنفيذ، من بينها تأسيس هيئة عامة لرعاية المسنين، جرى تأسيسها بالفعل، حيث بدأت تباشر أعمالها بشكل رسمى. 

أنباء تبدو سعيدة للغاية، لكن الصادم بشأنها أنها وقعت فى البحرين، أما فى مصر فليس للمسنين فى ذمة الدولة والقانون سوى ثلاث مواد دستورية تلخص أوضاعهم باقتضاب، تتحدث أولاها فى سطرها الأخيرة عن المرأة المسنة، والتزام الدولة بتوفير الرعاية والحماية لها، وتدور الثانية حول خدمات الضمان الاجتماعى لمن هم فى عمر الشيخوخة، بينما تتحدث الثالثة عن التزام الدولة تجاه المسنين صحياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً و«ترفيهياً» ودورها فى توفير معاش «مناسب» يكفل لهم حياة كريمة، ويمكّنهم من المشاركة فى الحياة العامة مع تشجيع المجتمع المدنى على رعايتهم. 

تناقض فج بين ما تقره النصوص القانونية بشأن الحقوق وما يراه الستينيون على أرض الواقع من حقائق مُرة، حيث يتشاركون فى المهازل الصحية مع بقية أفراد الشعب، ويصطدمون مطلع كل شهر بالمعاشات الهزيلة، فضلاً عن غياب أى جوانب ترفيهية أو حقوق نفسية من تلك التى أقرها لأجلهم الدستور. البعض بدأ يفكر فى جدوى فكرة التقاعد من الأساس، لذا لا يزال الطبيب المتقاعد محمد عبدالفضيل يتساءل: «إذا كان العبقرى صاحب فكرة المعاش عند سن الستين شايف إننا خلاص ما بقيناش نقدر نشتغل طيب ليه ماخلاناش نستمر على آخر مرتب اتعودنا عليه، هل لأنه شايف إننا نقدر نشتغل شغل تانى؟ طيب لو شايف إننا لسه نقدر نشتغل علشان نعيش طيب خرجنا على المعاش ليه؟». 


سؤال يبدو منطقياً ينضم لآلاف الأسئلة التى تُطرح كل يوم حول موقع الحقوق العديدة التى أقرها الدستور للمسنين على أرض الواقع.. «فين الكلام الحلو ده؟» تساءل محمود قابيل، السبعينى، الذى ترجم كافة أشكال غياب الحقوق والمساندة الرسمية من جهة الدولة للمسنين بقوله: «الزمن بيموّتنا مرة واحدة، والبلد بتموتنا ستين مرة». 

تابع الرجل فى مرات عديدة تلك النقاشات الحادة التى ظلت تدور حول الـ«مستشارين» فى الوزارات بسبب «الملايين» التى يتقاضونها دونما أثر فعلى على أرض الواقع، وجهات النظر التى تبنّاها بعض نواب البرلمان، على رأسهم النائب عاطف عبدالجواد، حين طالب بطرح قانون يمنع من هم فوق الستين من العمل، فكرة صاغها النائب بالفعل فى صورة مشروع قانون بدعوى أنها ستوفر على الدولة ملايين الجنيهات وأن هناك أكثر من 20 ألف موظف فى الدولة بالقطاعات المختلفة تخطوا سن الستين يجب أن يتركوا أماكنهم لآخرين، صحيح أن الفكرة لم تحظَ بإقبال يُذكر، إلا أن «قابيل» رأى أن المسألة «ما فرقتش كتير». 

فى اللحظة التى اكتملت فيها خبرات على عماد كمدير عام فى مصلحة الضرائب العقارية وجد نفسه على المعاش، خبرات عديدة بشأن المحاسبات والضرائب وغيرها من الأمور الدقيقة لم تعد تهم أحداً سواه، الرجل الذى يؤمن بالدور الفاعل لمن بلغوا الستين، قرر أن يحاول عرض خبراته، وجمع المزيد ممن يملكون خبرات عبر مجموعة إلكترونية بعنوان «شباب وشابات فوق الستين»، عنوان يعتقد البعض للوهلة الأولى أنه للمزاح، لكن أعضاء المجموعة الذين يقاربون الألف يؤكدون جدية المسمى. 

التقارب العمرى والنفسى مع اختلاف المهن صنع حالة من التنوع: «إن لم يكن المجتمع راغباً فى الاستفادة من خبراتنا، فأضعف الإيمان أن نستفيد من بعضنا البعض». 


لم يضيع الرجل وقته، حيث سارع بالعثور على وظيفة جديدة بإحدى شركات السيارات، لكنه فى الوقت نفسه أراد مدّ يد العون للمزيد من التائهين: «النظرة الرائجة لنا باعتبارنا الخير والبركة هى أساس كل المصائب، والسر وراء حالة الإحباط والاكتئاب، إهمال مزدوج من الحكومة والمجتمع، فمن ناحية نحن بالنسبة للدولة مجرد عبء، وبالنسبة للناس لسنا أكثر من ناس بركة». مجهود مضاعف يبذله الستينيون بحثاً عن وظيفة، هذا ما انتهى إليه الرجل عقب 38 عاماً من العمل فى مجال الضرائب: «العثور على شغل أسهل كتير للشباب، أرباب المهن ما بيرتاحوش لشخص فوق الستين، ومعظم الوظائف المعروضة أقصى عمر ليها فى التلاتينات للأسف». 

بدلاً من التعامل معهم على طريقة «خيل الحكومة» تلجأ مجموعة من الدول العربية إلى حلول مبتكرة للاستفادة من خبرات المتقاعدين، جرى هذا فى قطر خلال شهر يناير الماضى، حيث أعلن كل من بنك قطر للتنمية والهيئة العامة للتقاعد والتأمينات الاجتماعية عن إطلاق النسخة الثالثة من مبادرة «خطوة» التى تهدف إلى بناء وتطوير قدرات ومهارات عدد من المنتسبين للهيئة من المتقاعدين ومساعدتهم على تأسيس أعمالهم ومشاريعهم الصغيرة والمتوسطة، وتحويل أفكارهم إلى مشاريع ناجحة عبر تأسيس «بنك أفكار». 

أنباء ذكّرت معروف السيد بما جرى معه قبل 10 سنوات، لم يخرج الرجل على المعاش بإرادته فى سن التقاعد الطبيعى، سبقته الجهة التى يعمل بها وعاجلته بالقرار فى عمر الـ55، مازال يذكر ذلك اليوم 15 مايو 2007: «خروجى جاء ضمن سياسة الدولة وقتها للتخلص من العمالة، كنت أعمل فى إحدى شركات قطاع الأعمال العام»، مع ذلك لم يكن الأمر مرعباً،

 يتذكر مشاعره وقتها: «أحسست بالتحرر عند خروجى على المعاش، فقد ارتحت من همِّ مسئولية العمل ومن مشاكله ومن عذاب ركوب المواصلات ومن النفاق والضرب من وراء الظهر، تلك المهمة التى يتقنها بعض الزملاء، شعرت بالراحة لمدة عام انطلقت خلاله فى رحلات وفسح وترفيه عن النفس، ثم بدأت أشعر بالملل وقررت العودة للعمل فى أى مكان، ولأنى خرجت من عملى مدير إدارة وكنت أمارس دور المدير العام كثيراً فى غياب المديرين العموم، وكنت على وشك أن أكون مديراً عاماً قبل خروجى على المعاش، إلا أننى فوجئت بأن الوظائف المتاحة للعمل فيها بعد عام الترفيه هى عبارة عن فرد أمن بوابات أو بياع فى أحد محلات السوبر ماركت الكبيرة، ولمدة 9 ساعات متواصلة أو فى مكتب سمسرة عقارات من 10 صباحاً إلى 10 مساء، وبمبلغ زهيد، وطبعاً لم تقبل نفسى ولا أولادى العمل فى هذه الوظائف، وظللت أبحث عن وظيفة مناسبة لى حتى وجدت نفسى فى عمرى الحالى 65 سنة، وطبعاً ماتت فرص العمل».

كان حظ «معروف» أنه خرج بمعاش كامل لأن مدة خدمته كانت 37 عاماً، والمعاش الكامل يُصرف عقب 36 عاماً، وكان سبب طول مدة خدمته أنه عمل فى عمر الـ19 عاماً بمؤهل متوسط عام 1970، كان المبلغ المبدئى للمعاش 915 جنيهاً وهو مبلغ بدا ضئيلاً وقتها، حتى مع ارتفاعه فى سن الـ60 لـ1630 جنيهاً ظل غير كافٍ، كما هو الحال مع الكثيرين: «كنت أتقاضى فى الشهر قبل خروجى على المعاش نحو ثلاثة آلاف ونصف، مرتب وحوافز، وبالطبع حدث خلل فى ميزانية البيت. 

ذهبت مكافأة نهاية الخدمة سريعاً فى زواج الأبناء، لم يتبقَّ منها شىء، وظلت فرص العمل الملائمة واللائقة غير متاحة حتى الآن، يتذكر الرجل كل تلك السنوات التى أنفقها فى التعلم وحصد الخبرات: «عام 72 جُندت بالقوات المسلحة، وكان لى شرف الاشتراك فى حرب أكتوبر المجيدة 73، وخرجت من الجيش نهاية عام 75، بعد مدة استبقاء، وطبعاً مدة الخدمة فى الجيش أضيفت لمدة خدمتى فى عملى بالشركة، ثم بعد عودتى للعمل قررت استئناف دراستى ودخلت المعهد العالى للتعاون الزراعى وحصلت على البكالوريوس وأنا أعمل فى الشركة». 

النتيجة النهائية التى توصل لها عقب رحلته أنه يعيش بدولة لا تحسن الاستفادة من أبنائها: «للأسف الدولة تقرر التجديد لأهل الثقة وليس لأهل الخبرة، المستشارون عددهم كبير ويكلفون الدولة مبالغ طائلة، مع ذلك لا يتم التجديد أو عمل عقود للفئات الأقل وهم الفنيون والحرفيون والذين هم أصحاب الخبرة ويستطيعون إفادة جهة العمل أكثر من القادة الذين يتم التجديد لهم».

الوطن





 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق