كانت نكتة أو نكبة أن يكون «لا مكان للمجرمين» هو العنوان الذي اختاره
الموزعون لفيلم «لا وطن لكبار السن»، No Country for Old Men،
حين تم عرضه تجاريًا في القاهرة!. وكنت وما زلت أرى أن ما أراده الأخوان «كوين»،
مخرجا وكاتبا سيناريو الفيلم، وقبلهما كورماك مكارثي، مؤلف الرواية، يجعل الترجمة
الأقرب هي «لا مكان للمحترمين».
تلك هي المحاولة السادسة لكتابة هذا المقال، وطوال أيام الأسبوع الماضي،
كنت أرجئ الكتابة في هذا الموضوع، لعدم قدرتي على الوصول إلى وصف مناسب، لا يعاقب
عليه القانون، للأستاذة وزيرة التضامن الاجتماعي، التي تعاملت مع أزمة تخص تسعة
ملايين مواطن بمنتهى البلادة والبرود، ولم تتوقف عن إطلاق تصريحات «تحرق الدم»
وتكشف أن فهمها للأزمة يشبه فهم أو ترجمة الموزعين لعنوان الفيلم!.
منذ عشرة أيام، على الأقل، وأصحاب المعاشات يضجون بالشكوى ويطالبون
الأستاذة الوزيرة بصرف معاشاتهم قبل العيد، لكنها استسهلت واختارت التبرير الذي
بدأ بحجة «السيستم»، System، وانتهى بادعاء وجود مانع
قانوني!. قالت إن «السيستم» أو النظام الإلكتروني لصرف المعاشات لا يسمح بالصرف
مرتين في الشهر الواحد. وحين فشل هذا التبرير، تراجعت عنه وأرجعت الأمر إلى المادة
٢٥ من قانون التأمين الاجتماعي رقم ٧٩ لسنة ١٩٧٥ التي حددت تاريخ استحقاق المعاش
باليوم الأول من الشهر الذي نشأ فيه سبب الاستحقاق!.
القانون، إذن، كان هو السبب، وليس «العيب في السيستم يا كاوركات» كما قال
الريس «برايز» أو محمد التهامي في «فيلم ثقافي»، مع أن الواقع يقول إن المعاشات لا
يتم صرفها من ماكينات الصرف الآلي بالبنوك قبل يوم١٠ من كل شهر، بما يعني، ببساطة
ووضوح، أن مخالفة المادة المشار إليها من القانون المشار إليه، تتكرر ملايين
المرات شهريًا!.
المهم، هو أن مطالب أصحاب المعاشات لم تلق استجابة، وكان الحل أو ما رأى
«الصغار» أنه كذلك، هو أن يقضي «الكبار»، كبار السن، ليلة وأيام عيدهم، في طوابير
أمام ماكينات الصرف، بعد أن نقلت قناة «ON Live»،
ثم الصحف والمواقع الإلكترونية، عن الأستاذة الوزيرة، في نبأ عاجل، يوم الخميس أي
يوم الوقفة، أن صرف المعاشات من ماكينات الصرف الآلي سيكون متاحًا بدءًا من الساعة
١٢ مساء ذلك اليوم، أي بعد منتصف ليلة العيد!.
منذ منتصف ليل الخميس، وحتى الساعة الرابعة عصر يوم الجمعة، يوم العيد، لم
يتمكن من الصرف غير ٢٧٤٨٧٤ صاحب معاش ومستفيدًا، والرقم أعلنته الوزيرة نفسها في
تصريحات، زعمت فيها أن «عمليات صرف المعاشات من ماكينات الصرف الآلية الخاصة
بمنظومة المعاشات وأيضًا من ماكينات الصرف الخاصة بمجموعة بنوك مصر وماكينات صرف
البريد تتم في يسر وهدوء».
الرقم كما هو واضح يزيد قليلًا عن ربع المليون من تسعة ملايين ونصف المليون
تقريبًا، هم إجمالي أصحاب المعاشات والمستفيدين، ٧٩٪ منهم (أي ٦ ملايين تقريبًا)
يستخدمون ماكينات الصرف أو كارت الـATM أما
الـ٢١٪ الباقون أو الثلاثة ملايين ونصف المليون، فليس أمامهم غير الانتظار حتى
تنتهي إجارة العيد ويعود موظفو مكاتب التأمينات ومكاتب البريد إلى عملهم يوم
الثلاثاء ٥ سبتمبر!. وبهذا الشكل، يمكننا ترجمة تصريحات الوزيرة بأن ٨٧٢٥١٢٦
(ثمانية ملايين وأكثر من سبعمائة ألف) مواطن، عاشوا يومًا أسود، هو يوم العيد،
بسبب عدم الإحساس أو «الجلد التخين»!.
أما من تمكنوا من الصرف، أي ربع المليون الذين تباهت بهم الأستاذة الوزيرة،
فأترك لك أن تتخيل الوقت الذي أضاعوه في الطوابير أمام ماكينات الصرف، ليلة وطوال
يوم العيد، ويمكنك بأي آلة حاسبة حقيرة، أن تعرف نتيجة قسمة الملايين الستة على
ثمانية آلاف ومائتي ماكينة صرف، هي كل الماكينات المتاح الصرف منها، في طول مصر
وعرضها. يمكنك بالآلة الحاسبة الحقيرة، معرفة أن النتيجة «ماكينة» واحدة لكل ٧٣٢
مواطنًا. ومع لامنطقية تغذية تلك الماكينات بالأموال على مدار أيام العيد، يمكنك
استنتاج عدد من أضاعوا ساعات في اللف على الماكينات وعادوا دون أن يتمكنوا من
الصرف!.
لو وضعت مشاعرك ودمك المحروق، على جنب، وتعاملت مع الأمر سياسيًا، ستجد أن
الأستاذة الوزيرة قد تتسبب في خسارة الحكومة التي تمثلها لتسعة ملايين صوت، ولن
أضرب الرقم في «خمسة» كما اعتادت الوزيرة أن تفعل وهي تحسب عدد المستفيدين من
برنامج «تكافل وكرامة» الذي فشلت في تنفيذه، وستجد في مقال سابق عنوانه «لا
تكافل.. ولا كرامة»، بعض التفاصيل.
الخلاصة، هي أن ٨٧٢٥١٢٦ (ثمانية ملايين وأكثر من سبعمائة ألف) مواطن، مرت
عليهم الساعة الرابعة عصر أول أيام العيد، دون أن يتمكنوا من صرف معاشهم، وكان لدى
الوزيرة من هدوء وبرود الأعصاب (ولا أقول البلادة) ما يجعلها تدّعي أن عمليات
الصرف تتم «في يسر وهدوء»، وأن ترى في قيام ربع مليون بصرف مستحقاتهم، إنجازًا
يستحق أن تطلق عنه تصريحات!.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق